أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
63
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ : الحمد : الثناء على الجميل سواء كان نعمة مسداة إلى أحد أم لا ، يقال : حمدت الرجل على ما أنعم به عليّ ، وحمدته على شجاعته ، ويكون باللسان وحده دون عمل الجوارح إذ لا يقال حمدت زيدا أي عملت له بيدي عملا حسنا بخلاف الشكر ، فإنه لا يكون إلا نعمة مسداة إلى الغير يقال : شكرته على ما أعطاني ، ولا يقال : شكرته على شجاعته ، ويكون بالقلب واللسان والجوارح . قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً « 1 » وقال الشاعر : 34 - أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة * يدي ولساني والضّمير المحجّبا « 2 » فيكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه . وقيل : الحمد هو الشكر بدليل قولهم : ( الحمد للّه شكرا ) وقيل : بينهما عموم ، وخصوص مطلق ، والحمد أعم من الشكر ، وقيل : الحمد الثناء عليه تعالى بأوصافه ، والشكر الثناء عليه بأفعاله ، فالحامد قسمان : شاكر ومثن بالصفات الجميلة . وقيل : الحمد مقلوب من المدح ، وليس بسديد ، وإن كان منقولا عن ثعلب ، لأن المقلوب أقل استعمالا من المقلوب منه ، وهذان مستويان في الاستعمال فليس ادعاء قلب أحدهما من الآخر أولى من العكس فكانا مادتين مستقلتين ، وأيضا فإنه يمتنع إطلاق المدح حيث يجوز إطلاق الحمد فإنه يقال حمدت اللّه ولا يقال : مدحته ، ولو كان مقلوبا لما امتنع ذلك ، ولقائل أن يقول : منع من ذلك مانع وهو عدم الإذن في ذلك . وقال الراغب : الحمد للّه الثناء « عليه » بالفضيلة ، وهو أخص من المدح وأعم من الشكر يقال فيما يكون من الإنسان باختياره وبما يكون منه وفيه بالتسخير فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه ، كما يمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه ، والحمد يكون في الثاني دون الأول ، والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة ، فكل شكر حمد ، وليس كل حمد شكرا ، وكل حمد مدح ، وليس كل مدح حمدا ، ويقال : فلان محمود إذا حمد ، ومحمد « وجد محمودا » ومحمد كثرت خصاله المحمودة وأحمد أي : أنه يفوق غيره في الحمد .
--> ( 1 ) سورة سبأ ، آية ( 13 ) . ( 2 ) لم أهتد لقائله . انظر الكشاف ( 1 / 8 ) وقبله : وما كان شكري وافيا بنوالكم * ولكنني حاولت في الجهد مذهبا وهذا البيت مشهور من حواشي أهل العلم .